روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
335
عرائس البيان في حقائق القرآن
فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا قال أبو سعيد الخراز في قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ : هم قوم صاروا مع اللّه بلا سبب ولا طلب ولا هرب ؛ لأنه مدركهم ، وهو معهم يعلم ما في ضمائرهم ، ويشهد حركات ظاهرهم ، ألم تسمع إلى قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ . وقال الواسطي في قوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أي : نحن أولى به وأحق ؛ إنا جمعناه بعد الافتراق ، وأنشأناه بعد العدم ، ونفخنا فيه الروح ، فالأقرب إليه من هو أعلم به منه بنفسه . وقال أيضا : بي عرفت نفسك ، وبي عرفت روحك ، كل ذلك إظهار النعوت على قدر طاقة الخلق ، فأمّا الحقيقة فلا يحتملها العبد سماعا . قوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ : سائق نفس العارف شوقه إلى جمال الحق ، وشاهد شوقه كشف مشاهدة شوقه بنعت الاطلاع على حرقة فؤاده ، فشهد له أنه وليّ مقرب يجلسه على بساط أنسه أبد الآبدين . قال الواسطي : سائقها الحق ، وشهيدها الحق . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 28 إلى 33 ] قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 ) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 ) قوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ : يا ليت لو علم الغافل هناك غاية أمره ؛ إذ كان غافلا عن مشاهدة الغيب ، فصار له منكشفا ؛ فيرى ما يرى مشاهدة وعيانا ، وثبت له حقيقة العيان بلا علة الاستدلال ؛ ليفرح بوجدانها حتى يطير من الفرح بكشفها ما يزيل عن قلبه هم العذاب وحزن العتاب ، فإذا حصل المقصود فأنّى العذاب خطر ؛ إذ الاحتراق بالنار بعد اليقين والعيان سهل على من يسّره اللّه عليه ، وبيّن سبحانه أنه إذا رفع غواشي قهره عن أبصار الغافلين صارت أبصارهم نافذة في رؤية الغيوب ، فيرون ما يفرح به قلوب العارفين في الدنيا من كشف عجائب الملكوت وأنوار الجبروت ، فأين أنت من العذاب والعقاب عند كشف النقاب وسماع الخطاب ومن ليس بغافل عن كشف عيان العيان وبيان البيان ، ومن يطّلع على حقيقة الحقيقة هاهنا حتى أتى بساط الأعظم